صديق الحسيني القنوجي البخاري
10
فتح البيان في مقاصد القرآن
في الدنيا من الأعمال القبيحة إما ببيان صدورها عنهم توبيخا لهم وتكميلا للحجة عليهم أو بتصويرها في صورة قبيحة هائلة على رؤوس الأشهاد . تخجيلا لهم وتشهيرا بحالهم وتشديدا لعذابهم . أَحْصاهُ اللَّهُ مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : كيف ينبئهم بذلك مع كثرته واختلاف أنواعه ؟ فقيل : أحصاه اللّه جميعا ، ولم يفته منه شيء وَ الحال أنهم قد نَسُوهُ ولم يحفظوه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ تذييل مقرر لإحصائه تعالى ، أي لا يخفى عليه شيء من الأشياء ، بل هو مطلع وناظر ، ثم أكد سبحانه بيان كونه عالما بكل شيء فقال : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ألم تعلم أن علمه محيط بما فيهما ، بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيهما ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ مستأنفة لتقرير شمول علمه ، وسعته وإحاطته بكل المعلومات ، قرأ الجمهور يكون بالتحية ، وقرىء بالفوقية ، وكان على القراءتين تامة ، ومن مزيدة للتأكيد ، والنجوى السرار ، يقال : قوم نجوى أي ذوو نجوى ، وهي مصدر ، والمعنى ما يوجد من تناجي ثلاثة أو من ذوي نجوى ، ويجوز أن تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين ، قال الفراء : ثلاثة نعت للنجوى ، فانخفضت ، وإن شئت أضفت نجوى إليها ، ولو نصبت على إضمار فعل جاز . إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي بالعلم يعني يعلم نجواهم : كأنه حاضر معهم ومشاهدهم ، كما تكون نجواهم معلومة عند الرابع الذي يكون معهم كذا في الخازن وأبي السعود . والجمل التي بعد إلا في موضع نصب على الحال يعني ما يوجد شيء من هذه الأشياء إلا في حال من هذه الأحوال فالاستثناء مفرغ من أعم الأحوال . وَلا نجوى خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ أي جاعلهم ستة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع على تلك النجوى وتخصيص العددين بالذكر لأن أغلب عادات المتناجين أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو كانت الواقعة التي هي سبب النزول في متناجين كانوا ثلاثة في موضع وخمسة في موضع . أو لأن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن اللّه تعالى وتر يحب الوتر فخصهما بالذكر تنبيها على أنه لا بد من رعاية الأمور الآلهية في جميع الأمور . قال الفراء : والعدد غير مقصود لأنه سبحانه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم السر والجهر لا تخفى عليه خافية . وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ أي ولا أقل من العدد المذكور كالواحد والاثنين وَلا أَكْثَرَ منه كالستة والسبعة إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أي مصاحب لهم بعلمه ، يعلم ما يتناجون به ، لا يخفى عليه شيء منه ، قرأ الجمهور أكثر بالثاء وبالجر بالفتحة عطفا على لفظ